ابن تيميه

206

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

أجر ، وخطأه مغفور له ، لا يطلق القول على أحدهم أنه أحلّ ما حرّم اللّه وحرّم اللّه وحرّم ما أحل اللّه بمعنى الاستحلال والتعمد . وإذا أريد أن ذلك وقع على وجه التأويل فعامة العلماء وقعوا في مثل هذا ، واللّه يأجرهم ولا يؤاخذهم على خطئهم . الوجه الخامس : أن يقال : قول القائل فيما يتكلّم فيه العلماء بالأدلة الشرعية ، مثل ما إذا قيل : إنه لا يجوز الحلف بالأنبياء ولا النذر لهم ، ولا السجود لقبورهم ، ولا الحج إليها ، ولا اتخاذ قبورهم مساجد ونحو ذلك ، أو قيل : إنه لا تجب الصلاة على النبي في الصلاة ، كما قاله مالك وأكثر العلماء . أو قيل : إنه يكره الصلاة عليه عند الذبح أو لا يستحب ، كما هو قول مالك وأحمد . وقيل : يستحب ؛ وهو قول الشافعي . فإذا قال قائل في مثل هذه المسائل : إن هذا تنقيص للأنبياء ؛ فإن أراد بذلك أنّ قائل هذا القول قصد التنقيص لهم ، والعيب لهم ، والطعن عليهم ، والشتم ؛ فقد كذب وافترى كذبا ظاهرا . وإن قال : إنه نقّصهم عما يستحقونه عند اللّه فهذا محل النزاع ، فصاحب القول الآخر يقول بل أخطأ فيما يستحقونه ولم يقل ما ينقص درجتهم التي يستحقونها ، وإن قدّر أنه أخطأ في اجتهاده فلا إثم عليه في ذلك ، فكيف إذا كان هو المصيب للصواب المتّبع للكتاب والسنة ، ولما كان عليه التابعون مع الأصحاب . الوجه السادس : أنه إنما يقبل قول من يدعي أن غيره يخالف الإجماع إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع ، وهذا يحتاج إلى علم عظيم يظهر به ذلك ، لا يكون مثل هذا المعترض الذي لا يعرف نفس المذهب الذي انتسب إليه ، ولا ما قال أصحابه في مثل هذه المسألة التي قد افترى فيها وصنّف فيها ، فكيف يعرف مثل هذا إجماع علماء المسلمين مع قصوره وتقصيره في النقل والاستدلال ؟ الوجه السابع : أن لفظ « كم » يقتضي التكثير وهذا يوجب كثرة المسائل التي خرق المجيب فيها الإجماع ، والذين هم أعلم من هذا المعترض وأكثر اطلاعا اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد ، فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع ، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع كما ظنه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق ، وكان فيها من النزاع نقلا ومن الاستدلال فقها وحديثا ما لم يطّلع عليه . الوجه الثامن : إن المجيب وللّه الحمد لم يقل قط في مسألة إلا بقول قد سبقه إليه العلماء ، فإن كان قد يخطر له ويتوجّه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنه قد قال بعض العلماء ، كما قال الإمام أحمد : « إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام » فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولا يخرق به إجماع المسلمين ، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين ؟ فهل يتصوّر أن يكون الإجماع واقعا في موارد النزاع ؟ ولكن من لم يعرف أقوال العلماء قد يظن الإجماع من عدم